التجارة والجزارة، الطابع المغربي والماركة حلال في السوق الإيطالي
عبدالرحمان حبيبي، تورينو
يحظى الكسكس المغربي بسمعة طيبة عنذ الإيطاليين على عكس صورة المغربي نفسه التي لا تنال الرضى في وسائل الإعلام والسينما. وإذا كنت مغربيا يحوز الثقة عند إيطالي فإنه ينزل عن كبريائه ويطلب منك، بمناسبة أو غير مناسبة، لو يُرتب هو وبعض الأصدقاء مقابلا لتهيئ لهم طعام الكسكس ولو كان ذلك المقابل ضربة للأنف. وإذا قدّرت عليك الغربة أن لا تذوق الكسكس لأسابيع أو شهورا فعليك بالمسجد، فلا محالة أنك ستنال مرادك ذات مساء. وما أشد الحاجة إلى كسكس مغربي مكلّل باللحم حلال وتوابل مغربية، لابد للمحلات الإيطالية ومحلات مغربية أن تزودها.
واللحم حَلَال بالدبح الحلال أصبح يفرض نفسه في عالم التجارة والاقتصاد وثقافة الطعام هنا بإيطاليا. السلطة والمقاولات وغرف التجارة ومعها الإعلام الإيطالي يولون الظاهرة اليوم اهتماما، وهو ما دعاهم إلى الكشف أن المجازر الإسلامية أو المحلات التي تروج اللحم الحلال تعرف ازدهارا خاصة في مدن الشمال الإيطالي، وهي مشاريع يقوم عليها مهاجرون. ويعود الفضل أيضا إلى السلطة والمقاولات المختصة في احتضان هذه الطفرة ، وذلك بادماج جزارين مغاربة ومسلمين في المجازر (حتى تلك المختصة في تزويد لحوم الدواجن) وتمكين المقاولين المسلمين أصحاب مشاريع في هذا المجال من مرافق مخصصة للدبح على الطريقة الإسلامية داخل المجازر الإيطالية. وإلى حد اليوم هناك 146 من المجازر الإيطالية رخص لها بالدبح الإسلامي، منها 52 تنتشر في منطقة "لومباردييا" و30 في منطقة "لبيومونتي" و20 منها في "إيميليا رومانيا".
أما المقاولات أو الشركات الفردية المتخصصة في تسيير محلات الجزارة لبيع اللحم الحلال ـ وحسب إحصاءات أخيرة نشرتها صحيفة "لاريبوبليكة" نقلا عن غرفة التجارة (1) ـ بلغ عددها 292، منها 118 لمهاجرين ـ بطبيعة الحال مسلمون، أغلبهم مغاربة ـ ينشطون في منطقة "الفينيتو" لوحدها. وفي تورينو هناك 35 من محلات الجزارة الحلال بالإضافة إلى 40 محلا تجاريا تقريبا (جلها لمغاربة) تُخصّص مرفقا من مرافقها لبيع اللحم الحلال. مع العلم أن أول محل للجزارة ظهر سنة 1992 بحي بوراتا بلاتسو بتورينو وكان صاحبه مغربي قادم من مدينة خريبكة. أما الأسواق الممتازة الإيطالية الواسعة الانتشار في إيطاليا مثل "أوشن" و"كوب" فقد احتضنت أروقتها ومرافقها منذ عام مادة اللحم المذبوح على الطريقة الإسلامية.
والتجارة المغربية والتجار المغاربة في العموم أصبحوا يحتلون مكانتهم في هذا المجال، ويغنون رصيد هذا البلد من حيث التنوع الإثني والثقافي رغم ما يروج عن المغاربة والمسلمين عامة من أحكام جاهزة. فلا تخطأ عين الزائر لـ"تورينو" ـ المدينة الأكثر تنوعا ـ محلات الجزارة ومحلات الكباب والمطاعم المغربية، وبجوارها تنتشر وكالات الأسفار ومحلات الهاتف العمومي وحتى الحلاقة على الطريقة المغربية كذلك (لوحات إشهارية بالعربية أعدت بخط اليد). وفوق ذلك يحتل المغاربة الريادة في امتلاك وتسيير (البازارات) محلات الأواني والألبسة والأفرشة والسجاد بهذه المدينة .
وسوق بورتا بلاتسو لا يخلو من مشاهد النشاط والمشاكسات والصخب الذي يخلقه الوجود المغربي في الساحة. الخضارون والفكهانيون الذين يصنعون الربح والثروة والصخب في فضاء السوق هم في الأغلب مغاربة ، إلى جانب الإيطاليين والصنيين وأجناس أخرى. وفي زاوية ما في هذا السوق الذي يعد الأكبر في أوروبا، لا تخطأ عينك باعة من نوع آخر خلقتهم الهجرة السرية. فهذا بائع للنعنع، والآخر بائع للأكياس البلاستيكية بكل الألوان والأشكال وآخر متخصص في ترويج سري لبطاقات التعبية للهاتف الجوال. وعلى جانب آخر قد تلمح كهلة بالجلباب المغربي تبيع سرا خبزا أعدته في المنزل.
وعن حكاية النعنع، فلا غرابة أن يصبح تجارة عالمية هو ورفيقه القزبر، وهذا بشهادة غرفة التجارة ـ قسم الصناعة التقليدية والفلاحة بتورينو، التي أجرت بحثا (صدر في مارس الماضي) عن التجارة في حي بورتا بلاتسو، وذكرت الأخوين النعنع والقزبر المغربيين بأنهما كذلك. تقول لينوره كستانيوني في البحث:"والمهم أن نلاحظ كيف تسير التجارة الدولية للنعنع والقزبر نحو الانتظام بأساليب بديلة..." عند هذا الكلام، تلمح الباحثة هنا إلى تجربة مقاول مغربي استطاع أن ينقل زراعة النعنع ومعه القزبر، ويمارسها في ضواحي تورينو ما بين شهر مارس وشتنبر ويستورد المادتين في باقي الشهور من المغرب.(2)
وهكذا، فما من مدينة في هذا البلد إلا أو أصبحت تجد فيها محلا للهاتف العمومي وبجانبه محلا للجزارة والتجارة للحم الحلال والتوابل والكسكس وكل أصناف المنتجات والمواد المغربية الصنع. فغدا المنظر العام في الشارع الإيطالي يلونه شيء من الطابع المغربي ونسمة من الأجواء المغربية.
1: ملحق "متروبولي" لصحيفة "لاريبوبليكة"، ص 10 و 11 ع 20 أبريل 2008
2: كتاب "الهجرة المقاولة: فاعلون اقتصاديون جدد في إقليم تورينو"، ص 89، غرفة التجارة ـ قسم الصناعة التقليدية والفلاحة لمدينة تورينو، 2008
هناك تعليق واحد:
الله على الكسكس والجزارة المغربي. والله أنا جربت الكسكس المغربين مافيش أحسن من الكسكس التوني.
إرسال تعليق