الخميس، 15 مايو 2008

قصص الهجرة


انتقده "علي بابا" ولاينال رضى "عصبة الشمال"

"اتحاد لأجل إسلام إيطالي" في أفق الاعتراف القانوني بالإسلام

عبدالرحمــــــان حبيبي ـ تورينو

انتقد علي بابا فاي قيام ما سمي بـ"الاتحاد لأجل إسلام إيطاليا. وقال إن المبادرة و"ميثاق القيم" ينطلقان من كون "اعتبار المسلمين ليسوا قادرين على الاندماج، وبالتالي وجب معاملتهم بشكل مختلف عن باقي المواطنين".
وتساءل خبير علم الاجتماع من أصل أفريقي: "لماذا يطلب من المسلمين فقط التوقيع على لائحة مبادئ موجودة أصلا في الدستور الإيطالي؟". وطالب "فاي" بضرورة العمل على توعية الجميع (مسلمين وغير مسلمين) بالقانون الإيطالي، دون خطابات تكرس الميز العنصري تجاه جالية معينة تصنف بأنها "جاهلة ويكمن فيها المروق"".
وجاءت انتقادات "فاي" في حوار مع المجلة الإلكترونية "سترانييري إن إيطاليا" المعروفة والتي تعنى بشؤون الهجرة بعد الإعلان نهاية أبريل المنصرم عن مشروع "الاتحاد" الذي ولد من رحم "الهيئة الاستشارية لإجل إسلام إيطالي". والهدف هو حشد فاعلين ونشطاء الجالية المسلمة المعتدلين على جبهة "إسلام إيطالي" يقضي على التطرف في أفق تحقيق إعتراف قانوني بالإسلام يمكن من تقنين المساجد وتأهيل الأئمة العاملين بها.

"لوكوي" خارج اللعبة بتهمة الارتباط بـ"الإخوان"

وفيما أعلن عن نشأة الاتحاد لأجل إسلام إيطالي، تقرر إبقاء "لوكوي" أي "اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا" خارج اللعبة، لأنه ـ بحسب تقرير لوكالة رويترزـ لم يرغب بالتوقيع على "وثيقة القيم" والتي تقر ـ كما تكرر في "إعلان المبادئ" المؤسسة لـالإتحاد لأجل إسلام إيطالي ـ من بين ما تقرر "تقنيين المساجد وتكوين الأئمة وتأكيد استقلالية الهيئات الإسلامية من أي ارتباطات خارجية ونبذ كل أشكال الأصولية والتعصب. ويتهم "ليوكو" في وسائل الإعلام بكونه على ارتباط وولاء بحركة "الإخوان المسلمين" المصرية. كما ويعيب يحيى سيرجو بلافتشيني (مسلم إيطالي المولد) عن الجالية الدينية المسلمة بإيطاليا "كوريس" على "لوكيو" خلط السياسة بالدين. وقال لصحيفة "لاريبوبليكة" قبل أسبوعين أن على "لوكوي" أن يختاروا بين أن يكونوا حركة سياسية أوحركة للعبادة"، وأن "لهم إيديولوجية لا تتناسب والأسس التي نود إرساءها".
غير أن "لوكيو" قالت على لسان ناطقها الرسمي وأحد أئمتها في مدينة "فيرانسي" أنها مستعدة للتوقيع على "وثيقة القيم"، وأكد أن إقصاءهم من الاتحاد لأجل إسلام إيطالي خطأ بحقهم. وتابع يقول:"لقد تعاونا نحن أيضا كـ"اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا" عبر رئيسنا نور دهشان في إعداد "وثيقة القيم" وناقشنا مضامينها في مجلس الشورى عندنا و قبلنها". وأضاف عزالدين الزرفي في تصريح لوسائل الإعلام بعد إبداء بعض التحفظ حول عبارات في وثيقة القيم تتعلق بتعدد الزوجات أن "النص في العموم مناسب بنظرنا ويبقى مبدؤنا الأساس هو احترام قانون البلد الذي نعيش فيه".
وبهذا الخصوص قال علي بابا فاي ردا على سؤال في حواره مع "سترانييه إن إيطاليا" حول ما إذا كان الاتحاد لأجل إسلام إيطالي سيشكل تمثيلية حقيقية للمسلمين:"إن إقصاء "لوكوي" ليست إشارة جيدة على ذلك..." يشار إلى أن أكثر من 130 مركز وجمعية إسلامية ترتبط بـ"لوكيو"، حسب ما يصرح به مسؤولوه.

يمين ويسار بلسان واحد: "إسلام إيطالي"

ومعلوم أن فكرة الخروج بتمثيلية للمسلمين في ظل تشردم جمعياتهم وهيئاتهم تعود إلى تداعيات هجمات 11 من شتنبر 2001 وما تبعها من أحداث إرهابية أخرى. ومنذ 2003 بدأ الحديث عن "الإسلام الإيطالي"، وهو ما صرح به وزير الداخلية جوزيبي بيزانو معلقا على قضية مدارس العربية المرتبطة بالمساجد، حيث قال:"لا أريد غيتوهات، أريد إسلاما إيطاليا". وفي نهاية 2005 أعلن عن ميلاد "الاستشارية" بالمناداة على 16 إسما يمثلون كل ألوان الطيف، من جنسيات مسلمة عديدة (مغربية وتونسية وجزائرية وليبية ومصر وباكستانية ومسلمين من دول أوروبا الشرقية وآسيا بالإضافة إلى مسلمين إيطاليين) ومشارب إديوليوجية وثقافية مختلفة (علمانيين ليبراليين إلى جانب إسلاميين).
وخرج اليمين بقيادة برلسكوني في أبريل سنة 2006 من الحكومة وترك وراءه هيئة "إستشارية" لمسلمي إيطاليا. وجاء اليسار بقيادة برودي وقبل أن يرحل مع مستهل العام الحالي بسحب الثقة من حكومته في منتصف الطريق (قبل أن ينهي ولايته التشريعية) أسس وزيره في الداخلية جوليانو أماطو "إتحادا للإسلام المعتدل"، معلنا وفاة "الاستشارية" والقطيعة مع "لوكيو" ("اتحاد الهيئات والجاليات الإسلامية في إيطاليا"). وقال أماطو بهذه المناسبة متحتدثا عن وثيقة إعلان المبادئ في ندوة صحفية:"إنها وثيقة تفتح مسارا للوصول إلى إسلام إيطالي" يتأسس على مبادئ الدستور و"وثيقة القيم"".
وفي 14 أبريل الماضي عاد اليمين إلى الحكم قويا بقيادة "الفارس" (برلسكوني) ليتسلم الملف مرة أخرى، في جو كثر فيه الضجيج الإعلامي عن مشاكل ومعضلات تتعلق بوجود ما يزيد عن مليون مسلم. من تلك المشكلات تأسيس المساجد وتقنينها، وتعيين الأئمة وتأهيلهم، وتدريس العربية والديانة الإسلامية في المدارس العمومية وتسهيل اندماج الجاليات المسلمة والتعايش.

أي مصير ينتظر "الاتحاد لأجل إسلام إيطالي"؟

مع انتهاء مهمته بفوز ائتلاف يمين الوسط، أبدى الوزير اليساري أماطو آملا في أن يواصل خلفه العمل على الاتجاه الذي رسمه من أجل إسلام إيطالي معتدل. واعتبر أن "من يتخلى عن هذا العمل سيكون بمتابة من يرعى التطرف...لأنه ربما يرتاح لوجوده". وبخروج أماطو يكون قد مهد الطريق أمام خلفه "روبرطو ماروني" بخطوة أولى في رحلة الألف ميل. بيد أن تصريحات صادرة من حزب "رابطة الشمال" من اليمين المتطرف، والذي فاز في حكومة برلسكوني بحقيبة وزارة الداخلية، أعلن أنه سيوقف المبادرة.
هذا بالإضافة إلا أن رئيس اللجنة العلمية في وزارة الداخلية التي أشرفت على صياغة "وثيقة القيم" أشار إلى "أنه من الصعب التنبأ كم يلزم من الوقت كي ينال الإسلام الإيطالي الاعتراف القانوني". ويلمح كارلو كارديا إلى الحاجة الماسة إلى الوقت لضمان انخراط أكبر عدد من الجمعيات والمراكز الإسلامية التي تعمل في الضل والتحاقها بالإطار الرسمي الجديد. وقد قدر كارديا الحاجة إلى أربع سنوات قادمة على الأقل.

السبت، 10 مايو 2008

قصص الهجرة

نساء ورجال الخبز في إيطاليا

مسلمون يبدعون من أجل الرخاء


عبدالرحمــــــــــــان حبيبي، يشمال إيطاليا

"المهاجرون يجلبون الحظ"، هكذا يتنبأ بعض أهل الفن لإيطاليا بمستقبل زاهر مع تزايد الهجرة. باكستانيون يحاولون الإبداع بإرخاس ثمن الخبز الذي بدأ يستعصي كسبه على فقراء العالم. ونساء مغربيات يفتحن بوابة على سوق الشغل رغم حصار الغربة، وذلك بالمساهمة في طرح خبزهن "السري" على المهاجرين ممن أعياهم استهلاك الخبز "الرومي".
في الغالب، الخبازون في إيطاليا إيطاليون يسهرون على إنتاج الخبز في مخبزات عصرية. ولعلك قد تجد من بين العمال الذين يعدون الخبز فيما وراء واجهات المحلات مهاجرون. ومشروع مخبزة هنا عمل مدر للربح، بما أن ثمن الخبز مرتفع جدا. تلجأ غالبية الأسر متوسطة الدخل إلى الأسواق الممتازة لاقتناء خبز ذي الجودة "الصناعية" بمبلغ يعادل الآن 2 يورو للكيلوغرام، وهو الأرخص. فيما يقصد الباحثون عن جودة عالية مخبزات تبيع مادتها بثمن يقارب 4 يوروات للكيلوغرام.
وفي ظل أزمة البترول وارتفاع أثمنة المحروقات يوما عن يوم، تشتعل أسعار المواد الغذائية، ومنها الخبز بطبيعة الحال. وهو ما حرك النقاش الآن في الصحافة الإيطالية الوطنية والمحلية وفي الشارع، مثلا، عن مدى جودة ماء الحنفيات وإمكانية استعمالها للشرب عوضا عن إضاعة ميزانيات الأسر في اقناء الماء المعبإ وإذخار المال لإنفاقه على مادة الخبز. بل وهناك من الأسر الإيطالية والمهاجرين من بدأ يحبد أيضا إعداد الخبز في المنزل قصد الاذخار. بل إن كثيرا من الأسر المغربية المهاجرة تعد خبزها بنفسها في أفران تقليدية الصنع تجلبها معها في رحلة العطلة السنوية إلى أرض الوطن.
في هذا السياق، وللذين لا مناص لهم (من الإيطالين والأجانب على حد سواء) من اللجوء دائما إلى المخبزات والأسواق الممتازة لاقناء خبزهم اليومي، هناك أمل في مادة خبز أرخص مع ابتكارات المهاجرين المسلمين. والظاهر أن المهاجرين عامة أصبحوا فأل خير على سكان القارة العجوز، وهو ما روجه له على ما يبدو عمل مسرحي عرض بجنوة أواخر أبريل الماضي بعنوان "المهاجرون يجلبون الحظ". وفعلا، فقد اختار سبعة خبازيين باكستانيين مهرة بمدينة بوليونيا (الشمال الإيطالي) أن يرخسوا ثمن الخبز الإيطالي، وذلك بإحداث شركة اجتماعية تنتج خبزا تقليديا وتوزعه بثمن يورو واحد للكيلوغرام فقط. ولهذا الغرض أحدثوا في البداية بمعية باكستانيين آخرين ستة نقط للبيع، وقد زاد عددها إلى أن وصل الآن عشر.
وقد استغل أصحاب مشروع خبز الرخاء عيد العمال يوم الفاتح من ماي ليوزعوا على الزبناء في مدينة بولونيا ستة قنطار من الخبز مجانا، وذلك للدفع بالمشروع إلى الأمام.

مغربيات يكسرن الغربة في إيطاليا بالخبز

ابتكارات المسلمين والعرب من إجل الرخاء في إيطاليا كثيرة. ودائما في مجال الخبز الذي هو عصب الاقتصاد، نساء مغربيات معظمهن يعشن اليوم في إيطاليا، أتين عن طريق "الالتحاق العائلي" (في الغالب زواج)، يجدن أنفسهن أمام امتهان حرفة صنع الخبز وبيعه. كيف؟
ما تلبث الزوجة المسكينة تلتحق بزوجها حتى يهجم عليها وحش الغربة، خاصة إذا كانت هي وزوجها تنقطع عنهما زيارات القريب والبعيد. يخرج الزوج للعمل ويصعب على الزوجة إيجاد شغل يملأ فراغها، فما العمل إذن؟ سؤال تختلف الإجابة عنه من مهاجرة إلى أخرى. ومن بين تلك الإجابات: أنها تنطلق في البحث عن فكرة معينة – بالتشاور مع الزوج... في صنع الخبز وبيعه مثلا... وأين هذا؟ في إيطاليا؟ ولم لا؟
من المعلوم أن استهلاك الخبز يشكل عند المغاربة وفي ثقافتهم الغذائية، حتى وهم مهاجرون في بلد غير بلدهم، العنصر الأساس ويستهلكونه بشكل لافت في أغلب وجباتهم. ولذلك فإنك إذا كنت في أي "سوق ممتاز" في أي مكان في إيطاليا، ستلحظ أن الجناح الخاص ببيع الخبز يكون نقطة استقطاب بالنسبة للمهاجر المغربي. وبالتالي فإن جزءا مهما من مصروف المعيشة اليومي يذهب لمشترياته من الخبز.
المهم، هذه المرة، من حديثنا عن الخبز والمغاربة في إيطاليا هو "نساء الخبز". نساء الخبز هن مهاجرات مغربيات ولّدت عندهن الحاجة إلى كسر روتين الغربة الرغبة في خلق نشاط معين يحقق ذلك الهذف (أي مواجهة الغربة)، بالإضافة إلى الرغبة الملحة في فتح باب آخر من أبواب الذخل المادي يعود إلى الجيب والمذخرات السنوية للأسرة.
فإذا كنت تقطن في أي مدينة من مدن الشمال الإيطالي، وأطلت مدة إقامتك هناك، فإنك ولا بد أن تكتشف أن هناك مغربية من المغربيات تصنع الخبز في البيت وتبيعه لمن أعياه استهلاك "الخبز الرومي". فلا شيء من خبز إيطاليا الذي عجنته وخبزته آلات صماء يعوض الخبز المغربي أو كما يسميه الإيطاليون "إلباني آربو"، أي الخبز العربي. هكذا يسمونه هنا، وعندما يتذوقون شيئا من الخبز المغربي تهديه إليهم...يقولون لك: إنه لذيذ وجيد، ألذ وأجود من الخبز الإيطالي.
وإذا زرت ساحة "بورطا بلاتسو" بمدينة طورينو، (حيث يباع كل شيء، حتى الممنوعات) فإنك تعثر على "نساء الخبز": نساء مغربيات يبعن خبزهن لمن يسأل عنه. وبطبيعة الحال بشكل سري ومخالف للقانون. وهذه الصنعة ليست بالأمر السهل، مادامت الممتهنة لهذا النشاط تزاوج بين جهدين: صنع الخبز في البيت أولا ثم المغامرة ببيعه. وهناك من تنجح في الترويج لسلعتها وهي في البيت، فتكسب الزبون تلو الآخر، ويتعود هذا وذاك على تقديم طلباته المتكررة عنذ باب البيت أو لذى الزوج كلما احتاج خبزا.
هذا النشاط - الذي خلقته مهاجرات مغربيات في بيئة تجاوزت الطرق التقليدية في صنع الخبز وتجاوزت نساؤها صرف وقتهن في دلك العجين وطهيه – أثار الانتباه وجعل فئة من النشطاء الإيطاليين هنا يفكرون في استقطاب الفكرة وتوظيفها في مشروع يمكن للاتحاد الأوروبي - بجلال قدره - أن يلجه! كيف ذلك؟
كتبت في إحدى الأيام جريدة إيطالية تعنى بشؤون المهاجرين وقضاياهم عن نساء الخبز، فقالت إنهن مقبلات على أفق وأمل جديد يفتحه عليهن مشروع ما يسمى "البوابة"، بتنسيق مع جمعية تسمى هي أيضا "أبوليه". ولقد أطلق المشروع على البادرة "مشروع شانغهاي"، وكان يروم أصحابه منه استقطاب الأنشطة المحضورة قانونا وتصريفها عبر قنوات تجعل منها مبادرات مقاولاتيه حقيقية وقانونية.
وفي الواقع فإن مشروع "البوابة" ككل يقصد أصحابه من ورائه – حسب ما أوردته الصحيفة المذكورة ـ تحسين ظروف العيش والعمل بحي "بورطا بلاتسو". ولتحقيق هذا الهذف، كان أصحاب "البوابة" تقدموا للاتحاد الأوروبي بطلب دعم تمويلي سنة 1996 باسم مدينة طورينو مقداره خمس مليار ليرا إيطالية في حينها.
ووفقا لبرنامج المشروع الخاص بنساء الخبز، فإن هؤلاء خضعن في مدينة طورينو لحصص تدريبية تصل مدتها الزمنية إلى مائتي ساعة يتعلمن فيها قواعد الشروط الصحية والمحاسبة والترويج. وفي النهاية يكون الغرض هو تأهيل هذا النشاط وإخراجه من شكله غير القانوني إلى ضوء القانون وذلك بمساعدة تلك النسوة على استئجار فرن عمومي يتسع لنشاطهن وينظمه. وفي ظل تصاعد الغلاء في ثمن الخبز ما يزال نسوة الخبز يزداد عددهن يوما بعد يوم.

الجمعة، 2 مايو 2008

قصص الهجرة

إيطاليا، المغاربة وعمل الآخرين

عبدالرحمان حبيبي،
شمال إيطاليا

على هامش دروس "دستور واحد للجميع" نظمتها بين السابع من أبريل إلى الخامس من هذا الشهر هنا في إحدى مدن شمال إيطاليا جمعيات إيطالية مهتمة بشؤون الهجرة برعاية من "مركز خدمات المتطوع"، مازحني أحد الأصدقاء الإيطاليين بينما كنا حول مائدة العشاء وذلك بتحويل مضمون ما جاء من في الفصل الأول من من الدستور الإيطالي مظيفا كلمة واحدة إلى الجملة، فجاء الفصل مرغما كما يلي:"إيطاليا جمهورية ديموقراطية مؤسسة على العمل"...للآخرين". وكان صديقي يشير إلى مقولة شائعة بين الإيطاليين مفادها أن الإيطاليين يروق لهم أن يشغلوا الآخرين عوض أن يشتغلوا هم.

والبعض من الناس هنا يروق لهم زرع الخوف مروجين في وسائل الإعلام وفي غيرها أننا ـ نحن الآخرين، أي الأجانب ـ هنا في إيطاليا نسرق من الإيطاليين عملهم ووضائفهم. خوف صارت يستثمره اليمين سياسيا لرفع رصيده الانتخابي. فقد التجأت "عصبة الشمال" في الحملة الانتخابية قبل 14 أبريل إلى توظيف ملصق دعائي يحمل صورة رجل من الهنود الحمر وكتب فوقه: "هؤلاء تعرضوا للهجرة والآن يعيشون في محميات". فكان أن ضاعف هذا الحزب تمثيليته في الحكومة والبرلمان.

مهما يكن، فالحقيقة أن المهاجرين يساهمون بشكل فاعل في الاقتصاد، ففي سنة 2004 أدووا ما يفوق مليار أورو ونصف ضرائب للدولة على ما يفوق 21 مليار أورو من الأرباح صرحوا بها. وساهم هؤلاء للناتج الداخلي الخام سنة 2005 بـ86 ونصف مليار أي ما يعادل (ستة فاصل واحد) 6.1 %.

ويقبل المهاجرون بأعمال وأعمال وضيعة ما كان يقبل بها في بلده بأجور زهيدة ( 3 أورو في اليوم) وغياب قوانين يحط من كرامته ويهدد حياته حرقا كما يقع في معامل العبودية في بلداننا (حريق ليساسفة البيضاء، المغرب). لهذا فإن الأجنبي هنا، ولو كان مجازا، يقبل بأي عمل حتى ولو كان البناء وما فيه من مخاطر والحدادة واللحام وما فيه من تأثيرات على الصحة أو قلع الجزر والملفوف وشحن الدجاج في شاحنات تمضي في وجهتها إلى المجازر. ولا يهمهه وهو يقوم بعمله هذا في ضلام الليل، إن ضم الدجاج وقبله حتى، أو أعيته حرارة الشمس تحت البيوت البلاستيكية لأنه سيكون في الأخير عملا يدر عليه ربحا (15 أورو للساعة ) ويحفظ عليه كرامته. وهي أشغال لا يقبل بها الإيطاليون، إلا قليل منهم.

ولذلك تجد إخواننا المغاربة في إقليم "كونيو" وما جاوره من مدن الشمال الإيطالي يقبلون على العمل في شركات تركيب الحاويات مثل "سيكوم" ولحم وتركيب مقطورات نقل السيارات والشاحنات مثل "رولفو"، بل إن من يعمل فيها اليوم يعد من المحظوظيين.

بطبيعة الحال، لا يجد المهاجرون العرب، والمغربي واحد منهم، أمام ما يسمعونه من أخبار قادمة من بلدهم الحبيب عن النيران المشتعلة في أسعار الخبز، كما في مصر المحروسة وفي أجساد العمال والعاملات في معامل الدارالبيضاء إلا أن يشمر عن ساعده وينخرط في العمل في بلد ليس ببلده.

ورغم أنني قد أقول إن زمن البقرات السمان قد ولى حتى في أوروبا بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، فالإيطاليون ومعهم الأجانب ينتجون العمل لأن ديمقراطية البلد مؤسسة على الشغل والشغل متوفر ويلزم له دائما عمالا، وهذا ما أكده الكاردنال مارتينو إذ قال أن "إيطاليا ستكون على المدى الطويل بحاجة إلى السواعد لدعم التطور والاستقرار والتقدم". وهي حقيقة يؤكدها مرسوم الحصص الذي تصدره الدولة كل سنة لجلب 170 ألف مهاجر من كل البلدان، منهم المغاربة (حصة المغرب العام الماضي 4500 وضيفة عمل لا زالت ملفاتها قيد المعالجة). وتم قبول جل الـ 480 ألف طلب التي قدمت ضمن مرسوم الحصص سنة 2006.

غير أن مارتينو قال أيضا، وهذه رسالة لمصاصي دماء الفقراء في بلداننا العربية الذين لا يعرفون للناس كرامة فيتسببون في قهرهم وقتلهم حرقا من أجل لقمة عيشهم، قال مارتينو في حق السواعد المهاجرة منبها ساسة البلاد والحكومة المنتخبة في 14 من أبريل الماضي والتي تستعد لمباشرة عملها:" ما من حكومة تكن فإن عليها أن تستحضر أنه لا يمكن قبول هذه السواعد المهاجرة وتركهم بدون ضمانات، لأنهم بدونها سيقبلون عمل أي شيء لأجل العيش". وقال الحبر البابوي المستشار في العدل والسلام للمهاجرين والرحالة أن "هؤلاء الأشخاص ليسوا سواعد فقط، فخلف السواعد هناك إنسان وثقافة وتقاليد ودين وأسرة..."