لنعش معا
في يناير 1990 كنت أرتاد فصل دروس اللغة الإيطالية بمؤسسة "باريني". وتم إدماجي سريعا في مستوى متقدم رغم أنه لم يكن مر على وجودي في إيطاليا سوى خمسة شهور. وكان أقراني في الفصل جلهم من الطلبة الجامعيين وأصحاب الشواهد والدبلومات، وكان من بينهم مهندسو إلكترونيات يابانييون وباحث صيني يعمل بالمعهد التقني المتعدد التخصصات بتورينو.
كان ذلك دليلا على أن هناك أناسا كثيرين يرغبون في الدراسة والتعلم لأجل بدء حياتهم والاندماج في المجتمع، ولكن أيضا وبشكل خاص بدافع النخوة، لأنه كان ينظر أنذاك إلى المغاربة مثلا من طرف الشعب الإيطالي كرمز للجهل والأمية. فكان من اللازم علينا تعلم اللغة لشرح ثقافتنا وتقاليدنا. نفس الأمر كان ينطبق على الطلبة من بلدان أخرى، عرب أو غيرهم، مسلمون أو غيرهم. بالنسبة للمغاربة، كان كلهم تقريبا يتميزون بخاصية إيجابية ألا وهي معرفة لغتين على الأقل: الفرنسية والإنجليزية وبطبيعة الحال العربية، واحدة من اللغات العالمية. ولم تكن الرغبة في التعلم والتنافس بين الطلبة من جنسيات أخرى تقل عن المطلوب.
هذه المدرسة لم تكتفي بتعليمنا الإيطالية وتمكيننا من التعرف على أناس من ثقافات أخرى ولكنها أهدتنا فرصة الخروج وزيارة المتاحف والمآثر التاريخية لمدينة تورينو الجميلية، الشيء الذي لم أفعله أنا خلال 15 عاما الماضية. لم يكن ارتياد المدرسة وسيلة للتعلم فقط بل أمرا مسليا وأعترف لكم أنني أشعر بالحنين إلى تلك الأيام، خاصة عندما أصحب ابني الذي يبلغ الآن عشر سنوات إلى نفس المدرسة، وهو يتابع الدراسة في المستوى الابتدائي بمؤسسة "باريني".
واليوم يمكنني إبداء ملاحظتي التالية: وهو أنه ـ وانطلاقا من تصرفات كثير من الشباب وعدم اهتمام عند بعض الكبارـ لم يعد لدى الطلبة الكبرياء والرغبة في التعلم، رغم أن المدرسة اليوم تقدم كثيرا من الفرص بالمقارنة مع الأمس، وكمثال على ذلك دروس الإعلاميات.
وتؤسفني اللامبالاة عند هذا الجيل، أنتظر منهم الكثير لأن لهم امتيازات كثيرة بالنظر إلى ما كنا يتوفر لدينا، فهم اليوم لهم أقارب يدعهونهم على الأقل ماديا. أما نحن فكنا عمالا وفي نفس الوقت طلابا ومسؤولين عن البيوت.الشيء الذي أنتظره من شباب اليوم هو أن يتعلموا كي يواصلوا ما بدأناه نحن: وهو العمل على جعل الآخرين يحترموننا باحترام الآخرين وعدم الحكم على الناس كونهم جاؤوا من بلد آخر ولدوا أو ترعرعوا فيه. فلا يوجد في العالم بلده كل أبيض أو كله سود. يقول "بوب مارليه": "مادام الناس ينظرون إلى لون البشرة وليس إلى لون العيون فستكون هناك دائما حرب". الأمل في السنوات القادمة في أبنائنا بما أنهم يكونون من بين الأوائل في صفوف المدارس الحكومية. وإذا حاول الإيطاليون فهم المشاكل والمعاناة التي تمنعهم من الاندماج في المجتمع. إذاك ربما سيكون من السهل علينا العيش معا في صفاء وهدوء وبناء بلد شاب وقوي بثقافات وأديان مختلفة، مبعدين عنا الجهل وبالتالي العنصرية.
شوقي، من المغرب
عن "كيارو سكورو"، ملحق Formazione 80 تصدر بتورينو
ترجمة عبدالرحمن حبيبي