02 مايو, 2008

قصص الهجرة

إيطاليا، المغاربة وعمل الآخرين

عبدالرحمان حبيبي،
شمال إيطاليا

على هامش دروس "دستور واحد للجميع" نظمتها بين السابع من أبريل إلى الخامس من هذا الشهر هنا في إحدى مدن شمال إيطاليا جمعيات إيطالية مهتمة بشؤون الهجرة برعاية من "مركز خدمات المتطوع"، مازحني أحد الأصدقاء الإيطاليين بينما كنا حول مائدة العشاء وذلك بتحويل مضمون ما جاء من في الفصل الأول من من الدستور الإيطالي مظيفا كلمة واحدة إلى الجملة، فجاء الفصل مرغما كما يلي:"إيطاليا جمهورية ديموقراطية مؤسسة على العمل"...للآخرين". وكان صديقي يشير إلى مقولة شائعة بين الإيطاليين مفادها أن الإيطاليين يروق لهم أن يشغلوا الآخرين عوض أن يشتغلوا هم.

والبعض من الناس هنا يروق لهم زرع الخوف مروجين في وسائل الإعلام وفي غيرها أننا ـ نحن الآخرين، أي الأجانب ـ هنا في إيطاليا نسرق من الإيطاليين عملهم ووضائفهم. خوف صارت يستثمره اليمين سياسيا لرفع رصيده الانتخابي. فقد التجأت "عصبة الشمال" في الحملة الانتخابية قبل 14 أبريل إلى توظيف ملصق دعائي يحمل صورة رجل من الهنود الحمر وكتب فوقه: "هؤلاء تعرضوا للهجرة والآن يعيشون في محميات". فكان أن ضاعف هذا الحزب تمثيليته في الحكومة والبرلمان.

مهما يكن، فالحقيقة أن المهاجرين يساهمون بشكل فاعل في الاقتصاد، ففي سنة 2004 أدووا ما يفوق مليار أورو ونصف ضرائب للدولة على ما يفوق 21 مليار أورو من الأرباح صرحوا بها. وساهم هؤلاء للناتج الداخلي الخام سنة 2005 بـ86 ونصف مليار أي ما يعادل (ستة فاصل واحد) 6.1 %.

ويقبل المهاجرون بأعمال وأعمال وضيعة ما كان يقبل بها في بلده بأجور زهيدة ( 3 أورو في اليوم) وغياب قوانين يحط من كرامته ويهدد حياته حرقا كما يقع في معامل العبودية في بلداننا (حريق ليساسفة البيضاء، المغرب). لهذا فإن الأجنبي هنا، ولو كان مجازا، يقبل بأي عمل حتى ولو كان البناء وما فيه من مخاطر والحدادة واللحام وما فيه من تأثيرات على الصحة أو قلع الجزر والملفوف وشحن الدجاج في شاحنات تمضي في وجهتها إلى المجازر. ولا يهمهه وهو يقوم بعمله هذا في ضلام الليل، إن ضم الدجاج وقبله حتى، أو أعيته حرارة الشمس تحت البيوت البلاستيكية لأنه سيكون في الأخير عملا يدر عليه ربحا (15 أورو للساعة ) ويحفظ عليه كرامته. وهي أشغال لا يقبل بها الإيطاليون، إلا قليل منهم.

ولذلك تجد إخواننا المغاربة في إقليم "كونيو" وما جاوره من مدن الشمال الإيطالي يقبلون على العمل في شركات تركيب الحاويات مثل "سيكوم" ولحم وتركيب مقطورات نقل السيارات والشاحنات مثل "رولفو"، بل إن من يعمل فيها اليوم يعد من المحظوظيين.

بطبيعة الحال، لا يجد المهاجرون العرب، والمغربي واحد منهم، أمام ما يسمعونه من أخبار قادمة من بلدهم الحبيب عن النيران المشتعلة في أسعار الخبز، كما في مصر المحروسة وفي أجساد العمال والعاملات في معامل الدارالبيضاء إلا أن يشمر عن ساعده وينخرط في العمل في بلد ليس ببلده.

ورغم أنني قد أقول إن زمن البقرات السمان قد ولى حتى في أوروبا بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، فالإيطاليون ومعهم الأجانب ينتجون العمل لأن ديمقراطية البلد مؤسسة على الشغل والشغل متوفر ويلزم له دائما عمالا، وهذا ما أكده الكاردنال مارتينو إذ قال أن "إيطاليا ستكون على المدى الطويل بحاجة إلى السواعد لدعم التطور والاستقرار والتقدم". وهي حقيقة يؤكدها مرسوم الحصص الذي تصدره الدولة كل سنة لجلب 170 ألف مهاجر من كل البلدان، منهم المغاربة (حصة المغرب العام الماضي 4500 وضيفة عمل لا زالت ملفاتها قيد المعالجة). وتم قبول جل الـ 480 ألف طلب التي قدمت ضمن مرسوم الحصص سنة 2006.

غير أن مارتينو قال أيضا، وهذه رسالة لمصاصي دماء الفقراء في بلداننا العربية الذين لا يعرفون للناس كرامة فيتسببون في قهرهم وقتلهم حرقا من أجل لقمة عيشهم، قال مارتينو في حق السواعد المهاجرة منبها ساسة البلاد والحكومة المنتخبة في 14 من أبريل الماضي والتي تستعد لمباشرة عملها:" ما من حكومة تكن فإن عليها أن تستحضر أنه لا يمكن قبول هذه السواعد المهاجرة وتركهم بدون ضمانات، لأنهم بدونها سيقبلون عمل أي شيء لأجل العيش". وقال الحبر البابوي المستشار في العدل والسلام للمهاجرين والرحالة أن "هؤلاء الأشخاص ليسوا سواعد فقط، فخلف السواعد هناك إنسان وثقافة وتقاليد ودين وأسرة..."

0 التعليقات: