نساء ورجال الخبز في إيطاليا
مسلمون يبدعون من أجل الرخاء
عبدالرحمــــــــــــان حبيبي، يشمال إيطاليا
"المهاجرون يجلبون الحظ"، هكذا يتنبأ بعض أهل الفن لإيطاليا بمستقبل زاهر مع تزايد الهجرة. باكستانيون يحاولون الإبداع بإرخاس ثمن الخبز الذي بدأ يستعصي كسبه على فقراء العالم. ونساء مغربيات يفتحن بوابة على سوق الشغل رغم حصار الغربة، وذلك بالمساهمة في طرح خبزهن "السري" على المهاجرين ممن أعياهم استهلاك الخبز "الرومي".
في الغالب، الخبازون في إيطاليا إيطاليون يسهرون على إنتاج الخبز في مخبزات عصرية. ولعلك قد تجد من بين العمال الذين يعدون الخبز فيما وراء واجهات المحلات مهاجرون. ومشروع مخبزة هنا عمل مدر للربح، بما أن ثمن الخبز مرتفع جدا. تلجأ غالبية الأسر متوسطة الدخل إلى الأسواق الممتازة لاقتناء خبز ذي الجودة "الصناعية" بمبلغ يعادل الآن 2 يورو للكيلوغرام، وهو الأرخص. فيما يقصد الباحثون عن جودة عالية مخبزات تبيع مادتها بثمن يقارب 4 يوروات للكيلوغرام.
وفي ظل أزمة البترول وارتفاع أثمنة المحروقات يوما عن يوم، تشتعل أسعار المواد الغذائية، ومنها الخبز بطبيعة الحال. وهو ما حرك النقاش الآن في الصحافة الإيطالية الوطنية والمحلية وفي الشارع، مثلا، عن مدى جودة ماء الحنفيات وإمكانية استعمالها للشرب عوضا عن إضاعة ميزانيات الأسر في اقناء الماء المعبإ وإذخار المال لإنفاقه على مادة الخبز. بل وهناك من الأسر الإيطالية والمهاجرين من بدأ يحبد أيضا إعداد الخبز في المنزل قصد الاذخار. بل إن كثيرا من الأسر المغربية المهاجرة تعد خبزها بنفسها في أفران تقليدية الصنع تجلبها معها في رحلة العطلة السنوية إلى أرض الوطن.
في هذا السياق، وللذين لا مناص لهم (من الإيطالين والأجانب على حد سواء) من اللجوء دائما إلى المخبزات والأسواق الممتازة لاقناء خبزهم اليومي، هناك أمل في مادة خبز أرخص مع ابتكارات المهاجرين المسلمين. والظاهر أن المهاجرين عامة أصبحوا فأل خير على سكان القارة العجوز، وهو ما روجه له على ما يبدو عمل مسرحي عرض بجنوة أواخر أبريل الماضي بعنوان "المهاجرون يجلبون الحظ". وفعلا، فقد اختار سبعة خبازيين باكستانيين مهرة بمدينة بوليونيا (الشمال الإيطالي) أن يرخسوا ثمن الخبز الإيطالي، وذلك بإحداث شركة اجتماعية تنتج خبزا تقليديا وتوزعه بثمن يورو واحد للكيلوغرام فقط. ولهذا الغرض أحدثوا في البداية بمعية باكستانيين آخرين ستة نقط للبيع، وقد زاد عددها إلى أن وصل الآن عشر.
وقد استغل أصحاب مشروع خبز الرخاء عيد العمال يوم الفاتح من ماي ليوزعوا على الزبناء في مدينة بولونيا ستة قنطار من الخبز مجانا، وذلك للدفع بالمشروع إلى الأمام.
مغربيات يكسرن الغربة في إيطاليا بالخبز
ابتكارات المسلمين والعرب من إجل الرخاء في إيطاليا كثيرة. ودائما في مجال الخبز الذي هو عصب الاقتصاد، نساء مغربيات معظمهن يعشن اليوم في إيطاليا، أتين عن طريق "الالتحاق العائلي" (في الغالب زواج)، يجدن أنفسهن أمام امتهان حرفة صنع الخبز وبيعه. كيف؟
ما تلبث الزوجة المسكينة تلتحق بزوجها حتى يهجم عليها وحش الغربة، خاصة إذا كانت هي وزوجها تنقطع عنهما زيارات القريب والبعيد. يخرج الزوج للعمل ويصعب على الزوجة إيجاد شغل يملأ فراغها، فما العمل إذن؟ سؤال تختلف الإجابة عنه من مهاجرة إلى أخرى. ومن بين تلك الإجابات: أنها تنطلق في البحث عن فكرة معينة – بالتشاور مع الزوج... في صنع الخبز وبيعه مثلا... وأين هذا؟ في إيطاليا؟ ولم لا؟
من المعلوم أن استهلاك الخبز يشكل عند المغاربة وفي ثقافتهم الغذائية، حتى وهم مهاجرون في بلد غير بلدهم، العنصر الأساس ويستهلكونه بشكل لافت في أغلب وجباتهم. ولذلك فإنك إذا كنت في أي "سوق ممتاز" في أي مكان في إيطاليا، ستلحظ أن الجناح الخاص ببيع الخبز يكون نقطة استقطاب بالنسبة للمهاجر المغربي. وبالتالي فإن جزءا مهما من مصروف المعيشة اليومي يذهب لمشترياته من الخبز.
المهم، هذه المرة، من حديثنا عن الخبز والمغاربة في إيطاليا هو "نساء الخبز". نساء الخبز هن مهاجرات مغربيات ولّدت عندهن الحاجة إلى كسر روتين الغربة الرغبة في خلق نشاط معين يحقق ذلك الهذف (أي مواجهة الغربة)، بالإضافة إلى الرغبة الملحة في فتح باب آخر من أبواب الذخل المادي يعود إلى الجيب والمذخرات السنوية للأسرة.
فإذا كنت تقطن في أي مدينة من مدن الشمال الإيطالي، وأطلت مدة إقامتك هناك، فإنك ولا بد أن تكتشف أن هناك مغربية من المغربيات تصنع الخبز في البيت وتبيعه لمن أعياه استهلاك "الخبز الرومي". فلا شيء من خبز إيطاليا الذي عجنته وخبزته آلات صماء يعوض الخبز المغربي أو كما يسميه الإيطاليون "إلباني آربو"، أي الخبز العربي. هكذا يسمونه هنا، وعندما يتذوقون شيئا من الخبز المغربي تهديه إليهم...يقولون لك: إنه لذيذ وجيد، ألذ وأجود من الخبز الإيطالي.
وإذا زرت ساحة "بورطا بلاتسو" بمدينة طورينو، (حيث يباع كل شيء، حتى الممنوعات) فإنك تعثر على "نساء الخبز": نساء مغربيات يبعن خبزهن لمن يسأل عنه. وبطبيعة الحال بشكل سري ومخالف للقانون. وهذه الصنعة ليست بالأمر السهل، مادامت الممتهنة لهذا النشاط تزاوج بين جهدين: صنع الخبز في البيت أولا ثم المغامرة ببيعه. وهناك من تنجح في الترويج لسلعتها وهي في البيت، فتكسب الزبون تلو الآخر، ويتعود هذا وذاك على تقديم طلباته المتكررة عنذ باب البيت أو لذى الزوج كلما احتاج خبزا.
هذا النشاط - الذي خلقته مهاجرات مغربيات في بيئة تجاوزت الطرق التقليدية في صنع الخبز وتجاوزت نساؤها صرف وقتهن في دلك العجين وطهيه – أثار الانتباه وجعل فئة من النشطاء الإيطاليين هنا يفكرون في استقطاب الفكرة وتوظيفها في مشروع يمكن للاتحاد الأوروبي - بجلال قدره - أن يلجه! كيف ذلك؟
كتبت في إحدى الأيام جريدة إيطالية تعنى بشؤون المهاجرين وقضاياهم عن نساء الخبز، فقالت إنهن مقبلات على أفق وأمل جديد يفتحه عليهن مشروع ما يسمى "البوابة"، بتنسيق مع جمعية تسمى هي أيضا "أبوليه". ولقد أطلق المشروع على البادرة "مشروع شانغهاي"، وكان يروم أصحابه منه استقطاب الأنشطة المحضورة قانونا وتصريفها عبر قنوات تجعل منها مبادرات مقاولاتيه حقيقية وقانونية.
وفي الواقع فإن مشروع "البوابة" ككل يقصد أصحابه من ورائه – حسب ما أوردته الصحيفة المذكورة ـ تحسين ظروف العيش والعمل بحي "بورطا بلاتسو". ولتحقيق هذا الهذف، كان أصحاب "البوابة" تقدموا للاتحاد الأوروبي بطلب دعم تمويلي سنة 1996 باسم مدينة طورينو مقداره خمس مليار ليرا إيطالية في حينها.
ووفقا لبرنامج المشروع الخاص بنساء الخبز، فإن هؤلاء خضعن في مدينة طورينو لحصص تدريبية تصل مدتها الزمنية إلى مائتي ساعة يتعلمن فيها قواعد الشروط الصحية والمحاسبة والترويج. وفي النهاية يكون الغرض هو تأهيل هذا النشاط وإخراجه من شكله غير القانوني إلى ضوء القانون وذلك بمساعدة تلك النسوة على استئجار فرن عمومي يتسع لنشاطهن وينظمه. وفي ظل تصاعد الغلاء في ثمن الخبز ما يزال نسوة الخبز يزداد عددهن يوما بعد يوم.
0 التعليقات:
إرسال تعليق