الخميس، 13 مارس 2008

قصص الهجرة


المهاجرون المغاربة بين قهوة الصباح وقهوة المساء

إذا كنت لإيطاليا زائرا، أو كتب القدر عليك أن تعيش فيها مغتربا، فلا شك أنك ستشعر بالفخر وأنت تسمع، إذا ما جلست في مقهى، زبونا مغربيا يطلب قهوة إسمها "إلكفيه ماروكينو"، أي بالعربي "القهوة مغربي". والكثير من الزبناء المغاربة يفضل احتساء "القهوة مغربي" في الحانات والمقاهي الإيطالية، مادام الفخر كل الفخر ينتشيه المهاجر المغربي مع كون قهوته المفضلة تحتل باسمه مكانتها وسط أنواع القهوة الإيطالية المعروفة كالـ"كبوتشينو" والـ"ماكياطو" والـ"إسبريسو" والـ"لونكو". ومبعث الفخر لك وللمغاربة جميعا أيضا أنك لا تجد قهوة أخرى باسم جالية أخرى رغم كثرة الألبان (من ألبانيا) والرومان (من رومانيا) والمقدونيين (من مقدونيا) وأجناس أخرى عديدة. وسر التسمية المنسوبة إلى المغاربة هنا هو لون بشرتهم المائل إلى السمرة وعلاقة ذلك بلون القهوة وسمعتهم كفئة واسعة وسباقة في الهجرة.

ولا يحلو للمغاربة شرب "القهوة مغربي" إلا في المساء عندما يعودون من أعمالهم. وأما في الصباح فلا خيار لكل عامل مشمر عن طلب نوع آخر من القهوة الإيطالية يفك به قيود الخمول من بدنه ويزيل عنه أثقال النوم.

في المساء يكون المهاجر قد عاد من عمل يوم كله كد وجد وأتعاب تضاعفت عما كان يعرفه في بلده، ولذلك تكون أعصابه قد ارتخت ثم تهيأت للراحة ولذتها. ومن تم يكون الذهاب إلى المقهى بالنسبة للمهاجر خطوة في برنامج متكرر ودائرة مغلقة لمقاومة محنة الغربة وتبعاتها. يقصد الكثير من المهاجرين وهم على سياراتهم المسجد أولا صلاة لأداء العشائين، ثم يتوجهون كالعادة لاستراق شيء من الراحة في إحدى المقاهى. ولا يحقق المغربي لجسده المنهك ذلك القسط من الراحة إلا مع "الكفيه ماروكينو"، ذلك أن "الكفيه ماروكينو" يغلب فيه الحليب أكثر من منبه القهوة، ويكون العامل قد تهيأ بكل كيانه لساعات نوم لذيذة لا يكسرها إلا الحرص كثيرا على الاستيقاظ في الباكر وركوب السفر يوميا للوصول إلى العمل.

مع قهوة المساء، أمام المقهى تحت أنوار حالمة تتناغم مع ظلمة العشي الخفيفة أو تحت زهور أو أغصان شجرة زينة حانية تحلو الجلسة بين أبناء الجالية. غير أن جسلة أبناء الجالية المغربية تلك لا تخلو دائما من هموم الشغل وأزمته والغربة وقسوتها ومحاولة التنفيس عن تلك الهموم. لذلك يكون الشوق والارتباط بأرض الوطن والأحبة الذين بقوا هناك من العوامل التي تحدد اختيار "القهوة مغربي" على غيرها. ومع "القهوة مغربي" تجد في تلك الجلسة من يركب طائرة الخيال ويحلق فوق مياه المتوسط ثم ينزل في مطار الدار البيضاء ليزور في النهاية الوالد والوالدة اللذين اشتاق إليهما كثيرا ويجالس أهله وولده في أقل من دقيقة، فإذا ما وجه إليه أحد الجالسين الكلام حظرت روحه وعقله للتو في المكان، ثم برر سهوه بكثرة العياء.

وأما قهوة الصباح فقد تكون مُرة للكثير من المهاجرين المغاربة كما هي مرة اليوم للكثيرين من غير المغاربة. فقد تغير الوضع عما كان عليه في الثمانينيات والتسعينيات، عندما كان المغاربة لا يحبدون العمل في ورشات البناء ولا في شركات الفلاحة، بل كانوا – يحكي قدامى المهاجرين– يمتهنون البيع الجوال، لأنه أقل ثعبا والأكثر ربحا. وأما الآن فقد أصبح يصعب على الكثيرين إيجاد الشغل أينما كان، حتى في مجال التجارة والبيع بالتجوال لأن الأسواق الممتازة أصبحت تملأ الدنيا كالفطر، ولأن المهاجرين والباحثين عن العمل تضاعفت أعدادهم بذخول كثير من دول أروبا الشرقية في عضوية الإتحاد الأوروبي كرومانيا وبلغاريا العام الماضي. لذلك، فالنسبة للذين يحرصون على وظائفهم ولهم صنعة يكسبون بها رزقهم ويقوّون بها حظوظهم ويقبضون عليها قبض القابض على الجمر، ينهضون باكرا، ثم ينطلقون إلى العمل في الغالب بدون تناول وجبة فطور، حتى إذا بلغ أحدهم منتصف طريقه (يقطع العامل هنا يوميا إلى عمله أربعة عشر أوعشرين أو ثلاثين كلم أو أكثر من ذلك ذهابا ومثلها إيابا) وقف وقفة خاطفة لشرب قهوة الصباح يحتسيها في شربتين ثم يواصل جريه، لأنه يعلم أنه عليه أن لا تفوته ساعة واحدة من ثمان ساعات من العمل بل وعليه أن يجّد في تحصيل ساعات إضافية تعينه على مواجهة تكاليف العيش هنا في أوروبا، ومنها غلاء فواتير الكهرباء والغاز والتدفئة والبنزين والتأمين للسيارة التي لا مناص له من اقتنائها إذا أراد الوصول إلى العمل. وإذا ما كان قاسيا مع نفسه في الاقتصاد والاذخار وفر من ألف أورو التي يتقاضاها شهريا أو ما يزيد عليها بقليل (ألف أورو يعادل عشرة آلاف درهم مغربية، وهو مبلغ يسيل له لعاب الكثيرين في المغرب بحسابات الصرف والمعيشة هناك في البلد، ولكنه لاشيء هنا في أوروبا بالمقارنة مع غلاء متطلبات المعيشة) مائة أومائتين أوحتى ثلاث يكون عليه في الأخير أن يقتطع منها مساعدات للوالدين والإخوة الأعزاء في الوطن الحبيب.

وحتى يقضي الله أمرا مفعول، يبقى المهاجر المغربي في إيطاليا اليوم يدور مع طاحونة العمل والغربة لا يفارقه على طريق العمل فنجان القهوة المرة في الصباح وفنجان القهوة الحلوة في المساء.

عبدالرحمان حبيبي
إيطاليا ـ 13 مارس 2008

ليست هناك تعليقات: