الثلاثاء، 18 مارس 2008

قصص الهجرة

يموت التعساء من أجل الخبز في ما وراء البحر

هنا في أوروبا حيث يعيش مهاجرون سمر وسود مصدرهم من دول فقيرة توجد فيما وراء البحر المتوسط. هنا وذاخل الأسواق الممتازة تجدهم يتزاحمون جنبا إلى جنب مع أصحاب الأرض على طلب ملذات الحياة ومتعها مما يعد هنا من أساسيات الحياة الرغيدة وثقافة الاستهلاك في أوروبا.

ويمكن للفرد منهم أن يقتني كل أنواع الأجبان والقشدة واليوغورتات والشوطولاطة وكل ما طاب من الفواكه والخضر الضرورية لحياة كريمة تليق بالبشر. ومن أجل مبدأ "الشعور الإنساني" قد يُتسامح مع من يسرق في الأسواق الممتازة الأطعمة وما يتصل بها من مواد كما هو شائع بين التعساء من المهاجرين والغجر والإيطاليين أنفسهم.

في فلسطين وفي العراق يخرج الناس للبحث عن الخبز تحت النار وبين الدم. وبينما يصر الذين يتلذذون بركوب آلة الحرب على تخريب الحقول والنبات والأشجار ومنازل الفقراء، يصر هؤلاء على البحث عن الخبز تحث قطرات المطر الشحيحة وتحت الحجر، والخراب والذخان.

في اليمن وفي مصر ـ أم الدنيا (هكذا يصر المصرييون على الاعتزاز بوطنهم) وفي المغرب تضرب الأزمة الاقتصادية الطبقات الاجتماعية، لكن بتواطئ بطبيعة الحال مع من يملكون السلطة في أيديهم ويستطعون احتكار الدقيق والأسمنت والحديد. ولأن هولاء المحظوظين "الزوينين" يمكنهم الانتفاع من حرب البترول التي يشنها بوش في الشرق الأوسط من أجل الاغتناء فإنهم لن يبحثوا عن حلول للفقراء بل يحتكروا السلع والمواد. وهكذا فإن المواطن المصري الفقير وبسبب الفساد السياسي يجد نفسه في طوابير الخبز يبحث عنه ولو لساعات طوال بين العرق والدماء. فقًد 13 من فقراء مصر أرواحهم نتجة التدافع في طوابير الخبز بداية هذا الشهر.

وفي المغرب حيث العطالة في تصاعد وحيث النمو السكاني في اطراد (عدد المغاربة يزيد عن 30 مليون نسمة) في بلد لا تحكمه أجندة اقتصادية وإنمائية واضحة، فإن ثمن الغذاء يتصاعد هذه الأيام ويتواصل منذ 2003 بشكل مهول. فزيت المطبخ وزيت المائدة اللذان يجعلان من الخبز المادة الغذائية الرئيسية بالنسبة لشرائح عريضة من المواطنين يزيد ثمنهما كلما أعلن عن زيادات في ثمن البترول. فثمن الأول وهو الضروري لإعداد كل الوجبات سيصل سقف 20 درهما (ما يعادل 2 يورو)، وأما ثمن زيت الزيتون فمرشح لأن يتجاوز قيمة 5 يوروات، إذا ما استمر تصاعد الأسعار.

ولقد كان على حق "الشلح" ـ تحكي النكتة المغربية ـ لما صفع ابنه على قفاه لما عاد لتوه من السفر، وكان قد أوصى ابنه بأن يأكل نصف الزيت الذي في القنينية عند غيابة لمدة شهر: كان الإبن قد تعلم التقشف من الوالد، استعدادا لكل الطوارئ و"ليام الخيبة"، فلم يأكل شيئا من الزيت وهو ما فاجأ الأب، فلما سأل هذا ابنه كيف كان يتعامل مع الزيت إذنا، أخبره أنه كان يصب الزيت في إناء متسع ويمرر فقط قطعة خبز كبيرة من فوق الزيت ثم يأكلها موهما بطنه أنه يأكل الزيت. وبينما كان الولد ينتظر من والده أن يفخر به صفعه قائلا: "أو كون طاح الخبز في الزيت، شحال غادي تشرب ديال الزيت أعفريت هنا؟"

كان الإبن ووالده معا على حق لما تعلما هذا النوع من التقشف، فالحال في بلداننا لا ينبأ بالخير. فمع تصاعد أثمان المعيشة فلن يحس المواطن إلا بمزيد من الغربة في بلاده وسيكون القرار حتما هو هجرة بلده. " قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها". لذلك لا نستغرب إذا وجدنا 140 ألف مغربي يتقدمون بطلبات الذخول إلى إيطاليا العام الماضي ضمن قانون الحصص السنوي متنافسين على 4 ألف عقد عمل فقط من أصل 170 ألف موزعة على جنسيات عديدة.

الآن نفهم لماذا يموت المئات في عرض البحر خلال رحلة الهروب من بلدانهم الأصلية إلى أوروبا طمعا في الوصول إلى لقمة الخبز. فعوض أن نساعد هولاء على زراعة الأرض في بلدانهم وتمكينهم من صنع الخبز بأيدهم ليكون في متناول أطفالهم بثمن معقول إن لم نقل بثمن رخيص، تشن عليهم الحروب الخاطئة ونشجع ضذهم فساد الطبقة السياسية الفاسدة ليحتالوا على أموالهم ولقمة عيشهم.

عبدالرحمان حبيبي، إيطاليا\ 18 مارس 2008

ليست هناك تعليقات: