الجمعة، 29 فبراير 2008

قصص الهجرة

كلبة "سي كبور" وإنسانية الإيطاليين

تعداد الإيطاليين أكثر من 55 مليون. ويعيش في منازلهم ـ حسب إحصاءات معهد البحوث "يورسبيس" الذي تعتمده وزارة الصحة الإيطالية ـ ما يفوق 44 مليون من الحيوانات الأليفة من بينهم 8 مليون من القطط و7 مليون من الكلاب. وينفق الإيطاليون على الكلاب وإخوانهم من القطط، حسب المصدر ذاته، حوالي ألفي مليون من الأورو سنويا لأجل الرعاية الصحية والعلاج. بينما ينفقون ألف مليون ونصف من الأورو في مسألة شراء هذه الحيوانات وإطعامها واقتناء لوازمها وكل الخدمات المتعلقة بها. من هنا يمكن القول إن الكلاب الإيطالية محط حظوة وعناية تحسد عليها.
معظم هذه الكلاب تربى لحراسة البيوت ثم للزينة والتباهي من جهة أخرى. ولما لا، مادامت حقوق الكلاب ومعها جميع الحيوانات في هذه البلاد مرعية بقوانين محلية ومواثيق دولية.
جزء آخر من الكلاب الإيطالية تقتنى لمحظ الترفيه والزينة والتباهي. وأغلب هذا الصنف صغير الحجم تقتنيه النساء. ولابأس فإنه يؤدي في المنازل التي يعيش فيها دور الحراسة أيضا. إذا كنت في الشارع فأينما حولت بصرك تلمح سيدة شابة أو عجوزة تصحب كلبا قزميا، حجمه بحجم القط أو أقل من ذلك. وقد تلمح أخرى تتأبطه تحت معطفها و أخرى تحمله كما لو أنها تحمل رضيعا، وتعطف عليه كما تعطف على أحد أبنائها. وقد يبالغ أحدهم في العناية بهذه المخلوقات إلى درجة أنه لا يمنع كلبه في وجوده معه جنبا إلى جنب على السرير أو على الأريكية وقت الاسترخاء. ولكم نحسد هذه الحيوانات على رفاهها نحن الفقراء الذين نأتي من وراء البحر حالمين بالغنى. ولكنه مجرد حسد لن يجرد هذه الحيوانات من حقوقها ومما تنعم به بسبب مشاعر الإنسانية عند الإيطاليين.
كنت يوما في بيت صديقة إيطالية وكانت كلبتها كالعادة تستقبلني بحفاوة بالغة، تنط هنا وهناك من الفرح وتقف على رجليها الخلفيتين معلنة التحية. ولما أبديت ملاحظتي حول مبالغة الإيطاليين في الاعتناء بالكلاب، اتهمت الإسلام بأنه دين "أنتروبوسينتريكي"، أي أنه دين يعنى بالإنسان فقط ويهمل الحيوان وباقي المخلوقات.
لم أقبل ملاحظتها وضمغتها بحجج من ثقافتنا وديننا وربما أمتعتها بقصة ذلك الرجل الذي جاء البئر ونزل فيه وأروى عطشه ولما صعد وجد كلبا يلهث عند حافة البئر. فما كان من الرجل الذي جرب العطش وألمه إلا أن نزل مرة تلو الأخرى ليحمل الماء في خفه ليشرب الكلب. ولما جاء أحد الصحابة يحكي لرسول الإسلام ما فعل الرجل مع الكلب، وعد صلى الله عليه وسلم صاحب ذلك الفعل الجنة. وبذلك أظهرت لها أن ثقافتنا نحن المسلمين فيها من الحقوق الواجبة لهذه الحيوانات ما يجعلنا نباهي بالسبق في هذا المجال ربما.
غير أنني كنت واقعيا. فحكيت لها أيضا قصة العم كبور مع كلبته وكيف أساء هذا الرجل إلى صورتنا نحن المغاربة خصوصا، وإلى المسلمين وثقافتهم عموما.
كان للعم "كبور" بيت كبير أو لنقل إحدى الفلل هنا في منطقة "البيمونتي". وككل الإيطاليين وعلى قدم المساواة كان له في البيت الرحب كلبة وكلب كلاهما للحراسة. وفي يوم من الأيام، وللتخلص من كلبته خوفا من أن تحمل وتخلف له كثيرا من الجراء مرة أخرى، خرج بفكرة شيطانية. فهو يعلم أنه ليس من السهل التخلص من أي حيوان أليف أوالقذف به في الشارع كما يحصل في بلدنا. ثم إن الكلبة كانت في فترة نقاهة بعد الولادة ولذلك نزع من قلبه الرحمة وأصر على تنفيذ خطته. حمل الكلبة المسكينة ذات صباح في سيارته وسار بعيدا إلى أن وقف عند إحدى الغابات. هناك فتح باب السيارة وقال لكلبته "ياله أبنتي، قلبي على راسك، لينا وليك الله". عاد وهو يضحك. وكلما كان في إحدى جلساته مع أقرانه أو الشباب من أبناء الجالية استمتع بحكي قصته هذه، ذلك أنها لم تنته كما أراد هو.
فبعد أسابيع من حادث التخلص من الكلبة عند الغابة، جاءت الشرطة الإيطالية تسلمه استدعاء من الهيئة المختصة في حماية الحيوان. علم العم كبور أن الاستدعاء يهم الكلبة، وأدرك أنه كان مغفلا بخصوص فكرة التخلص من كلبته بذلك الشكل اللاحضاري. فالشرطة لما عثرت على الكلبة الضائعة، حولتها إلى أهل الاختصاص. ولأن هؤلاء عارفين خدمتهم مزيان قلبوا على الماتريكيل في فخض الكلبة فتعرفوا على صاحبها. فاسم أي كلب و إسم صاحبه يحفظ في سجلات الهيئة.
حاول سي كبور الكذب لكن الكذبة لم تنطل على المعنيين لأنهم يعرفون كل القصص المتعلقة بهذه الحالات. سلموه الكلبة ونهروه، ثم سألوه عن الحالة الصحية للكلب الآخر. فهم يعلمون أنه يملك كلبا أخر. وقالوا له إنهم سيزورونه للتأكد والاطمئنان على حال الكلب والكلبة. ثم أعلموه أنه بإمكانه أن يجري لها عملية جراجية لوقف خصوبتها عند البيطري.
بعد هاذ التصخصيخة في ذلك اليوم عاد العم كبور بسرعة إلى البيت وكنس حول الكلب وأصلح بيته الخشبي وأوصى زوجته والبنات معززا وصيته بالتهديد أن يحسنواهذه المرة إلى الكلبة.

عبدالرحمان حبيبي/ طورينو
25 فبراير 2008

ليست هناك تعليقات: